المامقاني
281
غاية الآمال ( ط . ق )
ما أهمنا من كلامه ( رحمه الله ) وكيف كان فالدّليلان اللذان تمسّك بهما للقاعدة للمناقشة فيهما مجال كما أشار إليها ( المصنف ) ( رحمه الله ) في الكتاب قوله اللهمّ الا ان يستدل على الضمان فيها بما دلّ على احترام مال المسلم مثل ما في ( التذكرة ) بطريق العامة عن جابر ان رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال في خطبة يوم النحر دماؤكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا من شهركم هذا وعن أبي بكر ان النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال في خطبة يوم النحر ان دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وأورد بعض من تأخر بأن الخبرين وأمثالهما إنما يستفاد منها حرمة التصرّف في مال المسلم أو امّا انّه بعد التصرف مضمون فلا ثمّ انه استدرك صحّة الاستدلال بها في المنافع المستوفاة والأعمال التي وقعت من المسلم لغيره لتمسكهم بقاعدة احترام عمل المسلم وماله فيها واستدلال ( المصنف ) ( رحمه الله ) في هذا المقام فهو في محله قوله وانه لا يحل الا عن طيب نفسه مثل ما في ( المبسوط ) مرسلا عن أنس عن النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس منه وأورد عليه بعض من تأخر بأن هذا الخبر وما في معناه لا يدل الا على أن التصرّف في مال المسلم بدون أذنه محرّم منع عنه ( الشارع ) وامّا انه بعد التصرّف مضمون على المتصرّف بمعنى انه يجب عليه رد بدله من مثل أو قيمة فلا دلالة فيه على ذلك ولعل وجه الاستدلال به هو ان حله بعد تلفه عبارة عن سقوطه عن ذمته وأنت خبير بأنه بعد التلف ينتفي الموضوع للحكم المذكور في الحديث لأنه ينتفي ماله المضاف إليه فلا يبقى مال مضاف إلى المسلم حتى لا يحل الا بطيب نفس منه فوجوب ردّ بدله يحتاج إلى دليل أخر ( فتأمل ) قوله وان حرمة ماله كحرمة دمه في ( المبسوط ) انه روى الأعمش عن أبي وإبل عن عبد اللَّه بن مسعود ان النّبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال حرمة مال المسلم كحرمة دمه ولكن في دلالته على الضمان نظر لان دلالته عليه موقوفة على إرادة التشبيه فيما يترتب على إراقة دم المسلم من المقاصة بأن يراد ان دم المسلم كما لا يبطل ( كذلك ) ماله لا يتلف بغير ضمان عوضه وهذا غير منساق منه وانما المساق ان احترام مال المسلم من حيث حرمة الاقدام على أكله بغير حق كحرمة دمه من حيث حرمة إراقته بغير حقّ ويؤيد هذا ان الشّيخ ( قدس سره ) في ( المبسوط ) ذكر الخبر المذكور في عداد ما استدل به على حرمة الغصب ويؤيده ( أيضا ) الخبران المذكوران من طريق العامة في ( التذكرة ) المتقدم ذكرهما ووجه التأييد أنه شبه فيهما حرمة الدماء والأموال بحرمة يوم النحر ومعلوم ان يوم النحر لا ضمان له مضافا إلى ما في الثاني منهما من الجمع بينها وبين الاعراض التي لا ضمان فيها قوله وانه لا يصحّ ذهاب حق أحد أورد عليه بعض من تأخر بأن المراد بذهاب الحق كون التصرف فيه والابتداء باستباحته مرخصا فيه وأين هذا من الضمان أقول الإنصاف ان إضافة الذهاب إلى الحق بخصوصه تقتضي ان حق أحد إذا ثبت على ذمة غيره فان ذلك الحق لا يصح ذهابه وبطلانه وفواته بغير عوض وعلى هذا يدلّ على الضمان ثمّ لا يخفى عليك ان قول ( المصنف ) ( رحمه الله ) وانه لا يحل الا عن طيب نفسه وان حرمة ماله كحرمة دمه وانه لا يصحّ ذهاب حق أحد بمجموعه عطف على قوله احترام مال المسلم على وجه التفسير وذلك لان احترام مال المسلم كلى وهذه المفاهيم الثلاثة المدلول عليها بالاخبار عينه ففي الحقيقة أراد ( المصنف ) ( رحمه الله ) التمسّك للمنافع والأعمال المضمونة بدليلين قاعدة احترام مال المسلم وأدلة نفى الضرر ولذا ثناهما في عبارته الآتية فقال لقاعدتي الاحترام ونفى الضرار فافهم قوله مضافا إلى أدلة نفى الضّرر فكلّ عمل وقع من عامل لأحد بحيث يقع بأمره وتحصيلا لغرضه فلا بد من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام ونفى الضّرار لا يخفى عليك انّه ( رحمه الله ) لهذا البيان خصّ مورد قاعدتي الاحترام ونفى الضرار في الأعمال بما إذا وقعت بأمر من يراد تغريمه ولتحصيل غرضه ووجهه واضح إذ لو لم يصدر منه الأمر ولم يتعلق غرضه بصدوره من الفاعل لم يصدق عليه انه أضر العامل ولا انه ترك احترام عمل المسلم فلا يشمل موردهما مثل السّبق في المسابقة الفاسدة فهما أخص من قاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده كما أن قاعدة اليد أخصّ منها باعتبار اختصاص هذه بالأعيان وعموم تلك القاعدة لها ولغيرها من المنافع والأعمال المستأجر عليها وغيرها واحتمال ضم عدم القول بالفصل إليهما أو إلى قاعدة اليد ونحوهما مدفوع بعدم ثبوته كما لا يخفى على المتتبع لمواردها فقد حكم كثير منهم في كثير منها بعدم الضمان في الفاسد وقد عرفت من ( المسالك ) انها لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في بعض مواردها فكل ما لا إجماع أو نحوه على ضمانه فالأصل بخلافها فتحصل مما ذكرناه ان دليل القاعدة بالنسبة إلى المنافع والأعمال أخصّ من نفس القاعدة لجريانها بمفهومها في الأعمال التي لم يأمر بها الطرف الأخر من العقد ولم يستوفها كما في المسابقة الفاسدة مع أن قاعدتي احترام مال المسلم ونفى الضرار لا تجريان فيه وقد وقع الخلاف في المسابقة الفاسدة كما أشار إليه ( المصنف ) ( رحمه الله ) بقوله فقد تخلفت القاعدة فيها بمعنى انه وقع الخلاف فيها مع كونها من موارد القاعدة والخلاف في المورد مناف للاتفاق على نفس القاعدة الا ان يلتزم بالغفلة وهو بعيد بل نقول إن التحقيق ان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده قضيته متنزعة من أحكام الموارد التي دل الدليل فيها على الضمان وليست بنفسها مما قام عليه الدليل وان ادعى عليه الإجماع في شرح ( القواعد ) فيما عرفت مما تقدم الا ان مثل هذه القاعدة مما لم ينطق به أحد قبل العلامة ( قدس سره ) وغاية ما هناك انه صدر من الشيخ ( قدس سره ) إشارة تصلح للحمل على إرادتها لا يمكن فيه تحقق الإجماع فكل مورد قام على الضمان فيه دليل تحكم به اعتمادا على ذلك الدليل دون القاعدة وكل مورد لم يقم عليه فيه الدّليل لا نحكم به قوله ( رحمه الله ) فيبقى عليه ما ذكر سابقا من النقض والاعتراض النقض عبارة عما أفاده من كون النسبة بين مورد التعليل الَّذي هو الاقدام وبين الضمان هي العموم من وجه والاعتراض عبارة عمّا ذكره من أن الاقدام انما هو على نحو خاص وهو التراضي بالعوض المخصوص وأين ذلك من الضمان بالمثل أو القيمة مما هو مغاير لما أقدما عليه قوله ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد وبين علمه مع جهل القابض ( انتهى ) هذا التعميم ناظر إلى أصل المسئلة وهو ضمان المبيع بالبيع الفاسد وتوضيح الحال انه لا ( يخلو ) اما أن يكون البائع والمشترى كلاهما عالمين بالفساد أو جاهلين أو يكون البائع جاهلا به والمشترى عالما أو يكون الأمر بالعكس فيكون البائع عالما والمشترى جاهلا و ( المشهور ) هو الحكم بالضمان في الصور الأربع كلها وان تلف بغير تفريط لقوله ( عليه السلام ) على اليد ما أخذت حتى تؤدى وهو يعمها بأسرها وقد يتمسك بقاعدة الإقدام على أن يكون مضمونا عليه فيحكم عليه بالضمان وبقاعدة ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وهما أيضا على تقدير التعويل عليها يجريان في الصّور كلها بل في ( الجواهر ) انه يظهر من إطلاقهم ومعقد إجماعهم ما صرّح به شيخنا في شرحه والفاضل في الرّياض من عدم الفرق فيما